محمد سعيد رمضان البوطي

116

فقه السيرة ( البوطي )

هذا كله ، فيحسب جهلا منه وغرورا أن المعجزة هي تلك التي تفاجىء ما ألفه واعتاده فقط ! . . ثم يمضي يتخذ مما ألفه واعتاده مقياسا لإيمانه بالأشياء أو كفره بها ! . . وهذا جهل عجيب من الإنسان مهما ترقى في مدارج المدنية والعلم ! . . وتأمّل يسير من الإنسان ، يوضح له بجلاء أن الإله الذي خلق معجزة هذا الكون كله ، ليس عسيرا عليه أن يزيد فيه معجزة أخرى أو أن يبدل ويغير في بعض أنظمته التي أنشأ العالم عليها ولقد تأمل مثل هذا التأمل المستشرق الإنكليزي « وليم جونز » حينما قال : « القدرة التي خلقت العالم ، لا تعجز عن حذف شيء منه أو إضافة شيء إليه ، ومن السهل أن يقال عنه أنه غير متصور عند العقل ، لكن الذي يقال عنه أنه غير متصور ، ليس غير متصور إلى درجة وجود العالم » ! . يقصد أنه لو لم يكن هذا العالم موجودا ، وقيل لواحد ممن ينكر المعجزات والخوارق ولا يتصور وجودها : سيوجد عالم كذا ، فإنه سيجيب رأسا ، إن هذا غير متصور ، ويأتي نفيه لتصور ذلك أشد بكثير من نفيه لتصور معجزة من المعجزات . فهذا ما ينبغي أن يفهمه كل مسلم عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم وما أكرمه اللّه به من المعجزات . ثانيا : موقع معجزة الإسراء والمعراج من الأحداث التي كانت تمر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك الحين . لقد عانى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ألوانا كثيرة من المحن التي لاقاها من قريش ، وكان آخرها ما عاناه لدى هجرته إلى الطائف مما مر ذكره وبيانه ، ولقد ظهر في دعائه الذي ناجى به ربه بعد أن جلس يستريح في بستان ابني ربيعة ما يتعرض له كل بشر من الشعور بالضعف والحاجة إلى النصير وذلك هو مظهر عبودية الإنسان للّه تعالى ، وظهر في التجائه ذلك شيء من معنى الشكاة إليه سبحانه وتعالى ، والطمع منه في عافيته ومعونته ، ولعله خشي أن يكون الذي يلاقيه إنما هو بسبب غضب من اللّه عليه لأمر ما ، ولذلك كان من جملة دعائه قوله : إن لم يكن بك غضب فلا أبالي . فجاءت ضيافة الإسراء والمعراج من بعد ذلك تكريما من اللّه تعالى له ، وتجديدا لعزيمته وثباته ، ثم جاءت دليلا على أن هذا الذي يلاقيه عليه الصلاة والسلام من قومه ليس بسبب أن اللّه قد تخلّى عنه ، أو أنه قد غضب عليه ، وإنما هي سنة اللّه مع محبيه ومحبوبيه ، وهي سنة الدعوة الإسلامية في كل عصر وزمن .